ابن أبي أصيبعة

365

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

حكى جلال الدين ، قال : فكنت عنده ، وقيل له هذا رسول الفرنج قد أتى وقرب من المدرسة ، فبعث " من الفقهاء " « 1 » من تلقاه ، فلما حضر عند الشيخ ، نظرنا فوجدنا الموضع فيه بسط أحسن ما يكون من البسط الرومية الفاخرة ، وجماعة مماليك وقوف بين يديه ، وخدام وشارة حسنة ، دخل الرسول وتلقاه الشيخ ، وكتب له الأجوبة عن تلك المسائل بأسرها ، ولما راح الرسول ، غاب عنا جميع ما كنا نراه ، فقلت للشيخ : يا مولانا ، ما أعجب ما رأينا من " ساعة من " « 2 » تلك الأبهة والحشمة ، فتبسم وقال : يا بغدادي هو علم . قال « 3 » جلال الدين : وكان للشيخ " كمال الدين " عند " بدر الدين لؤلؤ « 4 » حاجة ، فركب عند الصبح ليلقاه فيها ، وكانت عادة " بدر الدين " أن يركب الخيل والبغال السريعة المشي ، فلما قدموا في السحر فرسا فركبه لم ينبعث في المشي ، فنزل عنه وركب غيره ، فلم يقدر على المشي « 5 » ، فبقى متحيرا في أمره ، وإذا بالشيخ قد وصل إليه ، وقال له عن حاجته فقضاها له ، ثم قال : ما كأن الفرس امتنعت من المشي إلا حتى تقدم ، فقال : يا مولانا هذا من همة المشايخ ، وعاد وسار بدر الدين لؤلؤ وتبعه العسكر . حدثني " نجم الدين حمزة بن عابد الصرخدى " : أن " نجم الدين القمراوى " ، و " شرف الدين المتانى " ، و ( قمرا ، ومتان - قريتان من قرى صرخد ) ، قال : كانا قد اشتغلا بالعلوم الشرعية والحكمية ، وتميزا واشتهر فضلهما ، وكانا قد سافرا إلى البلاد في طلب العلم ، ولما جاءا إلى الموصل قصدا الشيخ " كمال الدين بن يونس " وهو في المدرسة يلقى الدرس ، فسلما وقعدا مع الفقهاء . ولما جرت مسائل فقهية تكلما في ذلك ، وبحثا في الأصول ، وبان فضلهما على أكثر الجماعة ، فأكرمهما الشيخ وأدناهما " وكانا قدما في آخر النهار " « 6 » سألاه أن يريهما كتابا له كان قد ألفه في الحكمة ، وفيه لغز ، فامتنع ، وقال : هذا كتاب لم أجد أحدا يقدر على حله ، وأنا ضنين به ، فقالا له : نحن قوم غرباء ، وقد قصدناك ليحصل لنا الفوز بنظرك ، والوقوف على هذا الكتاب ، ونحن بائتون عندك في المدرسة ، وما نريد نطالعه سوى هذه الليلة ، وبالغداة " تأخذه يا مولانا " « 7 » ، وتلطفا له حتى أنعم لهما ، وأخرج الكتاب ، فقعدا في بيت من بيوت المدرسة ولم يناما أصلا في تلك الليلة ، بل كل واحد منهم يملى على الآخر وهو يكتب حتى فرغا من كتابته وقابلاه ، ثم كرر انظر فيه مرات ، ولم يتبين لهما حله إلى آخر ووقت ، وقد طلع النهار « 8 » فظهر لهما حل شئ منه في آخره . وقد اتضح أولا فأولا ، حتى انحل لهما اللغز وعرفاه ، فحملا الكتاب إلى الشيخ ، وهو في الدرس ، فجلسا وقالا : يا مولانا ما طلبنا إلا كتابك الكبير ، الذي فيه اللغز الذي يعسر حله ، وأما هذا الكتاب فنحن نعرف معانيه « 9 » من زمان ، واللغز الذي فيه علمه عندنا قديم ، وإن شئت أوردناه .

--> ( 1 ) ساقط في طبعة مولر . ( 2 ) ساقط في طبعة مولر . ( 3 ) مكررة في ب . ( 4 ) إضافة من طبعة مولر . ( 5 ) بعد ذلك جملة مكررة في ب ثلاث مرات . ( 6 ) في طبعة مولر : " ولما كان آخر النهار " . ( 7 ) في طبعة مولر : " يأخذه مولانا " . ( 8 ) ساقط في ب ، والإضافة من طبعة مولر . ( 9 ) ساقط في ب ، والإضافة من طبعة مولر .